عبد الوهاب الشعراني

222

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

[ يحسن تأخير الدعاء بحوائجنا المهمة : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نؤخر الدعاء بحوائجنا المهمة إلى الأوقات التي أخبر الحق تعالى أنه لا يرد فيها الدعاء كحال السجود بين الأذان والإقامة ، وأوقات التجلي الإلهي في الثلث الأخير من الليل لاستدعائه تعالى منا الدعاء فيها ، وما طلب ذلك منا إلا وقد أراد إجابتنا وقضاء حوائجنا ، فله الفضل وله الثناء الحسن الجميل ، ولكن يحتاج الداعي أن يكون متلبسا بآداب الدعاء ، ويتحفظ جهده من أن يدعو اللّه تعالى في حصول شيء إلا بعد تفويض ذلك الأمر إليه ، فربما سأل العبد شيئا فكان فيه هلاكه كما وقع لبلعام ابن باعوراء ، وكما وقع لثعلبة حين قال : يا رسول اللّه اسأل اللّه لي أن يكثر مالي فكان في ذلك هلاكه ، ولو أن العبد قال : اللهم أعطني كذا أو ادفع عني كذا إن كان فيه صلاح لي لم يهلك ، لأنه تعالى إن أعطاه ما سأل كان خيرا ، وإن منعه إياه كان خيرا ، وإن دفع عنه ذلك البلاء كان خيرا ، وإن لم يدفعه كان خيرا . ومن كلام سيدي الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه : إذا خيّرك اللّه تعالى في شيء فإياك أن تختار ، وفر من اختيارك إلى اختياره ، فإنك جاهل بالعواقب . وسمعت سيدي محمد بن عنان يقول : من أقبح الذنوب عند اللّه أن يسأل العبد ربه في حصول شيء من غير تفويض ، ثم إذا أعطاه له وحصل له منه ضجر وتعب سأل اللّه تعالى أن يحوله عنه ، فإن الحق تعالى جوده فياض على عبده وله أوقات لا يرد فيها سائلا ولو كان كافرا ، والحق تعالى ليس هو تحت أمرنا ولا طاعتنا ، حتى نقول له بكرة النهار مثلا افعل لنا كذا ثم آخر النهار نندم ونقول له حول عنا ما أعطيته لنا بكرة النهار ا ه . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى السلوك على يد شيخ عارف باللّه تعالى يعلمه أدب الخطاب مع اللّه تعالى ، فإن غاية أدب العامة أن يعرفوا أدب الخطاب مع جنسهم من الخلق من ملوك وأولياء . وأما أدب خطابهم مع اللّه تعالى فلا بد لهم فيه من شيخ ربي في الحضرة الإلهية ، ومكث فيها زمنا طويلا حتى صار يعرف أدبها بالفعل وأدب أهلها على اختلاف طبقاتهم كما هو شأن من يدخل ويخرج حضرات ملوك الدنيا ليلا ونهارا : وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى [ النحل : 60 ] . وروى مسلم وأبو داود والنسائي مرفوعا : « أقرب ما يكون العبد من ربّه عزّ وجلّ وهو ساجد فأكثروا الدّعاء » . زاد في رواية : « فقمن أن يستجاب لكم » أي حقيق . وروى مالك والشيخان والترمذي وغيرهم مرفوعا : « ينزل ربّنا كلّ ليلة إلى سماء الدّنيا حين يبقى ثلث اللّيل الأخير فيقول : من يدعوني فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له » . وفي رواية لمسلم : « إذا مضى شطر اللّيل أو ثلثاه ينزل اللّه تبارك وتعالى إلى السّماء الدّنيا فيقول هل من سائل فيعطى سؤله هل من داع فيستجاب له ، هل من مستغفر فيغفر له